اجرت المقابلة: سامية ناصر
على مدى أكثر من عقدين، تمحور يوم امرأة واحدة حول عالم زوجها الآخذ في التقلص. لقد أصبحت ذاكرته عندما ينسى، وسكينته عندما يضطرب، والصوت المألوف الوحيد في عالم أصبح غريبًا ومُهدِّدًا. قصتها هي قصة تفانٍ لا نهاية له وبطولة صامتة ويومية. هذا توثيق للتعامل مع مرض الزهايمر، ليس فقط من جانب المريض، ولكن من جانب المرأة التي وقفت بجانبه، وأمسكت بيده، وفقدته ببطء، يومًا بعد يوم، حتى وفاته قبل عدة أشهر
نجدية وزوجها المرحوم عبد الحميد وحفيدتهما
تعرفت على نجدية أبو ذيبة (66 عامًا) من قرية طرعان في مجموعة دعم لأفراد العائلات من مقدم الرعاية، وهي مجموعة ساهمت في تأسيسها. عملت المجموعة في جمعية "علما" في نوف هجليل، وكانت مخصصة لأفراد العائلات من مقدمي الرعاية لأحبائهم، من الناصرة والقرى العربية المجاورة.
لا يمكن للمرء أن يستمع إلى نجدية وهي تتحدث بفخر وصبر عن حياة كاملة قضتها إلى جانب زوجها الذي احتاج لرعاية تمريضية كاملة، دون أن يُعجب بها كل مرة من جديد ويتساءل: ما هو السر؟ من أين تستمد كل هذه القوة للقيام بهذه المهمة؟
كان مرض الزهايمر المحطة الأخيرة في رحلة معاناة عبد الحميد، زوج نجدية. فقبل إصابته بالزهايمر، خضع لعملية جراحية لبتر ساقيه من الركبة، وهو وضع أجبره على استخدام كرسي متحرك.
بعد عدة أشهر من آخر لقاء للمجموعة، وصل الخبر المشؤوم. أخبرتني نجدية أن زوجها قد توفي عن عمر يناهز 68 عامًا. وبذلك انتهت رحلة طويلة من المعاناة. كل شيء، كما اتضح خلال المقابلة، بدأ قبل وقت طويل من الخرف. كانت نقطة بداية المأساة في جيل 42 عامًا، مع جلطة دماغية مفاجئة، تلتها خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر جلطتان إضافيتان حسمتا الأمر.
فمن رجل مستقل، صاحب عمل، مفعم ببهجة الحياة، ربّى بتفانٍ عائلة مكونة من أربعة أطفال، وعمل بجد لبناء منزله، وأسس عمله الخاص في مجال الألمنيوم، تغيرت حياته تماما.
في حديثنا، حاولت أن أفهم من نجدية كيف يمكن للمرء أن يلملم شتات نفسه بعد تلقي مثل هذه الضربة القاسية.
كيف يتعامل المرء مع خبر كهذا، يأتي بالضبط في الفترة التي من المفترض أن تحصدوا فيها ثمار تعبكم وتستمتعوا بالهدوء بعد تربية الأطفال؟
"كنت بحاجة إلى لحظة من الهدوء، لأختلي بنفسي. وبعد تفكير عميق، أدركت أنني لست ضحية للظروف، لكنني أقف على أعتاب فصل جديد في حياتي، فصل سيتطلب مني قوة لم أكن أعلم بوجودها داخلي".
"كانت تكلفة معيشة العائلة بأكملها على عاتق زوجي؛ كان عمله مصدر رزقنا الوحيد. عندما بدأ التدهور، كان ابني البكر – الذي فقدته بشكل مأساوي بعد سنوات، عندما كان عمره 37 عامًا فقط – هو الذي وضع حياته جانبًا. لقد تخلى عن وظيفته ليرعى والده، وليكون له سائقًا ومرافقًا في السفريات التي لا تنتهي بين الفحوصات، والعلاجات الطبيعية، وكل بصيص أمل وجدناه، حتى في الطب البديل. طرقنا كل باب، وسافرنا إلى كل أنحاء البلاد إثر كل خبر عن طبيب قد يجلب الشفاء".
"بعد الصدمة الأولى، وعندما انقشع الغبار، بقينا امام واقع جديد وصعب: استقرت حالته، لكن الجزء السفلي من جسده بقي مشلولاً. وفي خضم الألم، وجدت نفسي أهمس 'الحمد لله' – ليس على الشلل، حاشا لله، بل لأنه بقي على قيد الحياة، ولأنه ما زال معي. أدركت حينها أنني أقف أمام مهمة مقدسة، تتطلب مني أن أكون قوية، وأن أقف صامدة كالصخرة من أجلنا نحن الاثنين. كان ينظر إليّ بعينين متألمتين ويسأل: 'لماذا أنا بالذات؟'. وأنا، كنت أبتلع دموعي وأردد في قلبي السؤال ذاته بالضبط: 'حقًا يا الله، لماذا هو بالذات؟"
الحياة، بطريقتها العنيدة، استمرت في التدفق حول مأساتنا أيضًا. عندما حلت بنا الكارثة اثنان من أطفالنا الأربعة كانا متزوجين، ومع مرور الوقت، رأينا الاثنين المتبقيين يؤسسان بيوتهما الخاصة أيضًا. ابني البكر، ربيع، سار على خطى والده بشكل طبيعي وناضج؛ لقد أخذ على عاتقه عبء المسؤولية وتولى إدارة عمل العائلة الذي كان ثمرة كد والده".
"عندما فرد آخر الأبناء جناحيه وغادر المنزل، وفرغ العش، قررنا الخروج في رحلة إيمان وأمل – لأداء فريضة الحج في مكة. ومع كل خطوة كنت أدفع فيها كرسيه المتحرك على الأرض المقدسة، كنت أكرر لنفسي كأنها تعويذة: الحياة لا تتوقف. لا شيء سيوقفها".
"ابني البكر، الذي تخلى عن عمله ليرعى والده، بقي بلا مصدر رزق لمدة ستة أشهر. بقلب مثقل، حثثته على العودة إلى مسار حياته: 'عُد إلى عملك يا بني،' قلت له، 'لديك زوجة وأطفال لتهتم بهم'. وعندها انتقل عبء المسؤولية إلى ابني الأصغر، الذي تولى مهمة المرافقة والتوصيل. ولكنه هو الآخر لم يصمد، وبعد غيابات قليلة عن وظيفته، جاء الخبر المر – لقد تم فصله. في تلك اللحظة شعرت أننا ننهار. قلت لنفسي إن الوضع لا يمكن أن يستمر هكذا؛ زوجي مريض، والوضع المادي يتدهور، وكل شيء يحدث بالذات بعد أن كنا قد بنينا شقتين لابنينا، على أمل أن يكون مستقبلهما آمنًا".
"أدركت أنه يجب عليّ أن أجد حلاً، وكانت صلاتي قصيرة ومباشرة: 'يا رب، أعطني مخرجًا'. وجاء المخرج كقرار هادئ وحاسم اتخذته في قلبي – سأتعلم قيادة السيارة. كان لدي كل ما تبقى من ممتلكاتي الشخصية – سواران من الذهب. في صباح اليوم التالي، وبدون تردد، بعتهما. بهذا المال اشتريت فرصتنا في الاستقلال.
""كان رد الفعل في البيت متوقعًا. احتج ابناي الأصغران قائلين: 'سيارة؟ لماذا؟ في مثل سنك ستتعلمين القيادة؟ هذا ليس لائقًا'. كنت في الثالثة والأربعين من عمري، وفي نظر مجتمع ذلك الزمان، لم يكن الأمر مقبولاً بالفعل. وحده ابني البكر صمت، وكان صمته بمثابة موافقة ضمنية لي".
"سجلت لدراسة النظري (التيؤريا) في السر واجتزت الامتحان. ومن هناك، توجهت إلى معلم سياقة وبدأت بالدروس، بعيدًا عن أعين أولادي. ولكن في قرية صغيرة مثل قريتنا، لا تبقى الأسرار مخبئة طويلاً. بدأت الشائعات تنتشر: 'شاهدوا نجدية تقود السيارة'، ووصلت معها همسات استخفاف أزعجت أولادي. لكنني أصررت. بعد ثلاثة أشهر فقط، كانت رخصة القيادة في جيبي – رمز بلاستيكي صغير للحرية التي اشتريتها بإصرار وبمساعدة سوارين من ذهب".
" أقسمت لنفسي قسمًا: قد لا تحمله ساقاه بعد الآن، لكنه لن ينقطع عن العالم. عندما حصلت على رخصة السياقة، أصبحت أداتنا للحرية. حرصت على ألا يفوته أي مناسبة اجتماعية، وألا يفقد صلته بأصدقائه الذين كانوا له كالهواء الذي يتنفسه. أصبحت سائقته الخاصة، كان يجلس بجانبي، وسافرنا معًا إلى كل مكان يرغب به قلبه، بما في ذلك المركز اليومي الذي كنا عضوين فيه. المبدأ الذي أرشدني كان بسيطًا: ألا أخبئه. أردته أن يعيش حياة طبيعية وممتلئة قدر الإمكان، وألا يُسجن في المنزل بعيدًا عن أعين الناس".
"كنا نقرر معًا بشأن كل نزهة، وكل خروج عن الروتين – مطعم جيد، رحلة في البلاد، وحتى السفر إلى الخارج. كافحنا من أجل كل لحظة من الحياة الطبيعية، ورفضنا الاستسلام. لكن الصراع الحقيقي لم يكن مع القيود الجسدية، بل مع نظرات الناس وهمساتهم. في كل مرة كنا نصل إلى مناسبة اجتماعية، كنت أشعر بالعيون تحدق بنا. كنت أسمع الأسئلة المتنكرة في هيئة قلق: 'لماذا تجعلينه يعاني هكذا؟ أليس من الأفضل له أن يبقى مرتاحًا في المنزل؟'. هم رأوا معاناة، وأنا رأيت حياة".
"اخترت أن أغلق أذنيّ عن الأصوات التي همست بأنه يجب عليّ أن أخفيه بين أربعة جدران. آمنت بكل قلبي أنه يجب أن يستمر في ان يعيش حياته، ولذلك حرصت على أن يخرج من المنزل كل يوم. كان يرافقني في التسوق، ويجلس بجانبي في طابور الانتظار في عيادة صندوق المرضى. حتى عندما عرضوا علينا خدمة سحب الدم في المنزل لتوفير العناء عليه، أصررت على أن نذهب بأنفسنا. كان كل مشوار كهذا بمثابة إعلان: إنه لا يزال هنا، لا يزال جزءًا من الحياة، والروتين، قدر الإمكان، مستمر".
أصررت على الحفاظ على مكانه في العالم. كل من كان يأتي لزيارتنا، حتى صديقاتي، كنت ادعوهم للجلوس بجانبه. أردته أن يشعر بالمشاركة، أن يشعر أنه لا يزال جزءًا من الحديث، ومن الحياة
نجدية وزوجها المرحوم عبد الحميد وحفيدتهما
"لم نواجه الأحكام الاجتماعية المسبقة فحسب، بل واجهنا حواجز حقيقية أيضًا. فانعدام إمكانية الاتاحة في الأماكن العامة حوّل كل خروج من المنزل إلى عملية معقدة. اليوم الوضع مختلف، ولكن في ذلك الوقت، كان كل باب مغلق بمثابة تذكير بقيوده. ثم جاءت كلمة القدر الفاصلة، التشخيص النهائي – الزهايمر. كانت تلك بداية النهاية، رحلة دامت ثلاث سنوات إلى غياهب النسيان، رحلة في نهايتها فارقنا إلى الأبد".
"مع تشخيص الزهايمر والنسيان الذي بدأ يطمس عالمه، انطلقت في رحلة تعلم خاصة بي. سألت نفسي كيف على ان أتعامل مع هذا المرض؟'، ولم أدخر جهدًا في البحث عن إجابات – في المحاضرات، ومقاطع الفيديو، وفي نهاية المطاف في مجموعة دعم في جمعية 'علما'، وهي الأولى في حياتي. هناك، داخل دائرة من الذين يشاركونني وحدة المصير، فهمت أمرين: أنني لست وحدي، وأن تجربتي يمكن أن تكون منارة للآخرين".
"أنا متصالحة تمامًا مع الطريق الذي سلكته. لقد وضعت ضجيج الخلفية من البيئة المحيطة جانبًا، وتصرفت بدافع من التعاطف والالتزام بحياة كاملة. فعلت ما كان صوابًا في نظري، وليس ما كان سهلاً أو مقبولاً. أما القوة للاستمرار، فقد استمددتها من حبي له، ومن اهتمامي بأطفالنا، ومن إدراكي بأنه يجب عليّ أن أكون قوية من أجل نفسي أيضًا، حتى أتمكن من الاستمرار في قيادتنا جميعًا عبر هذه العاصفة".
"نجدية، المرأة التي تعلمت القيادة في سن 43 متحديةً كل التقاليد، ودفعت كرسي زوجها المتحرك في مكة قائلة إن 'لا شيء سيوقف الحياة'، تُغلق دائرة. لقد أصبحت ذاكرته عندما فقد ذاكرته، وصوته عندما صمت. الآن، بعد أن انتهت الرحلة الجسدية، تواصل طريقها، ليس كمُقدّمة رعاية لزوجها، بل كمصدر إلهام للآخرين. قصتها هي برهان قاطع على أنه حتى عندما تتوقف الحياة كما عرفناها، فإن الحب والروح الإنسانية يواصلان المضي قدمًا، ويجدان دائمًا طريقة جديدة ليُضيئا الدرب

